لقد تغيّر دور الآباء بشكل واضح خلال العشرين سنة الماضية – سواء كان السبب في ذلك تغيّر الرجال أنفسهم أو تغيّر نظرة المجتمع إلى أهمية دور الأب في حياة الطفل.
اليوم، يرغب معظم الآباء في المشاركة في تنشئة أطفالهم. بعضهم يفعل ذلك بغريزته، والبعض يندمج تدريجيًا، وكثيرون يحتاجون إلى دعم لاكتساب الثقة وتعلّم مهارات الأبوة.
نقدّم لكم أفكارًا حول كيفية الانخراط في حياة الطفل، والعناية به، واللعب معه، وبذلك بناء علاقة قوية ومتينة معه.
كيف تنمّي الانشغال العاطفي والترابط مع الطفل (0–12 شهرًا)
في السنوات الأخيرة، أصبح الآباء أيضًا موضوعًا للبحث في مجال الترابط، حتى أنه تم إدخال مصطلح خاص يصف العلاقة بين الأب والمولود الجديد بعد الولادة – وهو الانشغال العاطفي.
في السابق، كان الحديث يدور حول "مشاركة الأب"، أما اليوم، فنحن نتحدث عن انشغال الأب بالطفل – أي المشاركة على مستوى أعمق.
الانشغال لا يقتصر على ما يفعله الأب من أجل الطفل – مثل حمله أو تهدئته – بل يشمل أيضًا ما يفعله الطفل من أجل الأب.
كل شيء جديد بالنسبة للأطفال. إنهم لا يزالون يتعرّفون على بيئتهم والأشخاص من حولهم. يبدؤون بالتواصل وجذب انتباه البالغين من خلال الابتسامات، والهمهمة، والثرثرة، والبكاء.
الأطفال فضوليون للغاية ويحبون الاستكشاف، ويظهر ذلك من خلال حركات أجسامهم، مدّ أيديهم، ومحاولاتهم الإمساك بالأشياء.
رغم انبهارهم بالعالم من حولهم، إلا أنهم يحتاجون أيضًا إلى الإحساس بالأمان والتوقّع حتى يتعلّموا أن العالم مكان آمن.
ومع تعرّف الطفل على أمه وأبيه، يبدأ بتفضيلهما عن باقي البالغين، ويطلب منهما المواساة عندما يحتاج إليها.
هذا الشعور بالأمان يساعدهم على الشعور بالثقة في هذا العالم، وعلى بناء علاقات مع الآخرين.
من المهم أن يتواصل الآباء أيضًا مع أطفالهم. فالطريقة التي يتواصل بها الأب مع الطفل تؤثر إيجابيًا على تطور اللغة ومهارات القراءة والكتابة المستقبلية.
الاقتراحات التالية يمكن أن تساعد الآباء على بناء شعور بالأمان لدى الطفل من خلال التفاعل معه:
- تحدث مع الطفل أو أشر بيديك وقل ما تفعله. يحب الأطفال سماع الأصوات المألوفة، حتى لو لم يفهموا الكلمات. لا يحتاج الإنسان لفهم الكلمات كي يشعر بالراحة من صوت الإنسان. الاستماع إلى الأصوات يساعد الأطفال في تطوير مهاراتهم اللغوية والتواصلية منذ سن مبكرة. يمكنك مثلاً رواية قصة، وتغيير نبرة صوتك لجعلها أكثر تشويقًا، مما يشجع الطفل على الاستماع لفترة أطول.
- شارك في العناية اليومية بطفلك – غيّر له الحفاض، احمله، العب معه، حمّمه، استحم معه، شارك في كل المهام اليومية. هذا سيساعد على تقوية الرابط بينكما.
- دع الطفل يلمس وجهك ويستكشفه. هذا يساعده على التعرف إليك وفهم أنك شخص مختلف عن أمه أو غيرك من البالغين.
- قلّد أصوات طفلك وتعابير وجهه، مثل العبوس، إخراج اللسان، والابتسام. هذا هو بداية التواصل بين الأب والطفل.
- العب لعبة (الاختفاء والظهور) خلف راحتي اليدين، فهي تطور المهارات التواصلية والعاطفية لدى الطفل.
- أثناء اللعب، دع الطفل يستلقي أحيانًا على بطنه (طالما أنه لا يستطيع المشي بعد) ، فهذا الوضع يعزز نمو العضلات والدماغ.
- انظروا معًا إلى أشياء ملوّنة وممتعة (حتى الأشياء العادية مثل مشابك الغسيل ممتعة للأطفال). هذا يحفز تطور الدماغ ويزيد فضوله للاستكشاف. صف له الأشياء ودعه يلمس مواد مختلفة. أشر له إلى الأشياء بيدك أو بإصبعك وناقشها معه، سواء في محيطكم أو في كتاب تقرؤه له، فهذا يعزز الفهم والتنسيق بين اليد والعين.
- تقبّل أن الطفل سيبكي لأسباب كثيرة – كالتعب، الجوع، أو عدم الراحة. عندما تحمله وهو يبكي، سيشعر بالأمان والاطمئنان، وهو ما يحتاجه في هذه المرحلة. لا تخف من “إفساده” بحمله كثيرًا.
- غنِّ له، ردد الأناشيد، و اقرأ له. الكلمات، والقوافي، والمحتوى المكتوب تنمّي المهارات اللغوية والذاكرة.
- تذكر أن اللعب مرهق للطفل في البداية. يستطيع أن يلعب لفترات قصيرة فقط قبل أن يتعب ويصبح عكر المزاج. في تلك اللحظات، يحتاج إلى وقت هادئ معك.
كيف تلعب مع الطفل خلال السنة الأولى من حياته
في أول 6 أشهر من حياة الطفل، يتركّز اللعب على التفاعل مع البيئة المحيطة.
القيام بتعابير الوجه، الاختباء خلف اليدين، التلويح، وهزّ الخشخيشة قد تكون أنشطة بسيطة، لكنها ذات أهمية كبيرة.
وفّر للطفل أدوات متنوعة (مثل الحصائر المخصصة للاستلقاء، أو الألعاب المعلّقة فوقه) بألوان، ومواد، وملمس مختلف، يمكنه سحبها، شدّها أو مضغها.
غالبًا ما سينشغل الطفل بأشياء غير متوقعة – مثل بطاقة القماش المثبّتة على اللعبة أو الخيط الذي رُبطت به.
لا تُصرف انتباهه نحو "اللعبة الحقيقية"، بل دعه يستكشف ويختار بنفسه بما وبأي طريقة سيلعب.
خصّص وقتًا للتواصل الجسدي مع طفلك (كالتدليك، أو عدّ أصابع اليدين والقدمين مع أغنية). قد يبدأ الطفل في التفاعل مع الدغدغة والحركات الخفيفة أثناء حمله (بعد أن يتمكن من تثبيت رأسه). يمكنك وضع الطفل على قدميك، والاستلقاء على ظهرك ورفعه في الهواء ليشعر وكأنه "يطير". في نهاية هذه المرحلة العمرية، سيبدأ الطفل بالاستمتاع كثيرًا بالدوران، والرمي الخفيف في الهواء، وألعاب الحركة الأخرى (التي غالبًا ما تخشاها الأمهات).
ضحك الطفل سيخبرك بوضوح كم هو مستمتع بهذه الأنشطة.
إذا شعرت الأم أو الجدة أو أي شخص من المحيط بالحاجة إلى التدخل أو أبدى قلقًا بشأن طريقتك في اللعب، اشرح بهدوء أنك تراقب الطفل باستمرار، وأنه آمن تمامًا، وأن هذا النوع من اللعب مهم جدًا لنموه.
عندما يبدأ الطفل بالجلوس بثبات، ولاحقًا بالمشي (علمًا أن ليس كل الأطفال يمشون قبل عمر السنة)، ابدأوا ببناء أبراج من المكعبات أو الأكواب ودعوا الطفل يهدمها.
ادفعوا كرة ناعمة أو كرة صغيرة عادية، أو شجعوا الطفل على رميها وأعيدوها له.
يجد الأطفال متعة كبيرة في اللعب بالقدور والأغطية، أو مشابك الغسيل – اسمحوا لهم باللعب بهذه الأشياء وشاركوهم في ذلك.
الأصوات مهمة جدًا، فلا تترددوا في الانضمام مرة يوميًا إلى قرع الأشياء والصراخ.
يمكنكم صنع خشخيشات من أنابيب بلاستيكية أو زجاجات مملوءة بالحجارة الصغيرة أو الفاصولياء.
السلاسل الخفيفة ممتعة للغاية من حيث الملمس والصوت، ويمكن تلوينها (بألوان آمنة للأطفال) لجعلها أكثر جذبًا.
معظم الأنشطة اليومية يمكن تحويلها إلى لعب إن شاركتم الطفل فيها من خلال وصف ما تفعلونه، والأشياء التي تستخدمونها، وأشكالها وألوانها.
من كتيب جمعية روْدا "كن أبًا وانمُ مع طفلك"، RODA 2018.




0